أحمد بن علي القلقشندي
316
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
والقاضب ، وبرزت تلك الخلع ( 1 ) فابيضّ وجه الإسلام من سوادها ، ووضع الكتاب فكادت المنابر تسعى إليه شوقا من أعوادها ، وقرئت وصايا الإمام ، على الأنام ، فعلموا أنها من تراث الرّسالة ، وقالوا : كافل الإسلام جدّد له بهذا الصّقع الغربيّ حكم الكفالة ، وسمعوا من التقدّم بإنصافهم ، والتهمّم بمواسطهم وأطرافهم ، جملا عفّروا لها الجباه جودا بالجهد ، وسجدوا للشّكر والحمد ، فأدركوا من بركة المشاهد أثبت شرف وأبقاه ، ورأوا حقيقة ما كادت الأوهام تزول عن مرقاه ، وازدادوا يقينا بفضل ما صاروا إليه ، ورأوا عيانا يمن ما بايعوا عليه ، فتوافت طوائفهم المتبوعة ، وجماهيرهم المجموعة ، بدارا إلى المراضي الشّريفة ، وبناء على وصايا عهد الخليفة ، أن يجدّدوا البيعة لمجاهد الدّين ، سيف أمير المؤمنين ، تولَّى اللَّه عضده ، ولابنه الواثق باللَّه المعتصم به أنهضه اللَّه بإمرته بعده ، ولم تعد أن تكون الزّيادة الطارئة شرطا في تقرير الإمرة ( 2 ) المؤدّاة وإثباتها ، أو جارية مجرى السّنن الَّتي يؤمر المصلَّي بالإعادة عند فواتها ، فأعادوا بيعته أداء للفريضة ورجاء للفضيلة ، واستندوا إلى الإشارات الجليلة ، بعد الاستخارات الطويلة ، ورأوا أن يأخذوا بها عادة البيعات العبّاسية ، واتّخاذ حكم الأصل طريق الإلحاقات القياسيّة ، فبايعوا على تذكَّر بيعة أكَّدوها بالعهود المستحفظة ، ووثّقوها بالأيمان المغلَّظة ، وبادروا بها نداء مناديهم ، وأعطوا على الإصفاق بها صفقة أيديهم . ولمّا انتهى ذلك إلى الملإ من أهل فلانة وجهاتها ، رأوا أن يحلف من سبق ، ويصدقوا النّيّة مع من صدق ، ويعقدوا ما عقدوا على ما صرّح به العهد الشريف ونطق ، فحضر منهم العلماء والصّلحاء ، والأجناد والوزراء والفقهاء ، والكافّة على تباينهم في المراتب ، وتفاوتهم في المناصب ، واختلافهم في المواطن والمكاسب ، فأمضوها بيعة كريمة المقاصد ، سليمة المعاقد ، عهدها محكم ،
--> ( 1 ) انظر الحاشية رقم 1 ص 26 من هذا الجزء . ( 2 ) انظر الحاشية رقم 3 ص 11 من هذا الجزء .